ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
350
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وجودها ، ولو لم يقلها أبو الطيب لوقاه اللّه شرها ، فإنها هي التي ألبسته لباس الملام ، وجعلت عرضه شارة لسهام الأقوام . ولسائل هاهنا أن يسأل ويقول : لم عدلت إلى شعر هؤلاء الثلاثة دون غيرهم ؟ فأقول : إني لم أعدل إليهم اتفاقا ، وإنما عدلت إليهم نظرا واجتهادا ، وذلك أني وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها حتى لم أترك ديوانا لشاعر مفلق يثبت شعره على المحل إلا وعرضته على نظري ، فلم أجد أجمع من ديوان أبي تمام وأبي الطيب للمعاني الدقيقة ، ولا أكثر استخراجا منهما للطيف الأغراض والمقاصد ، ولم أجد أحسن تهذيبا للألفاظ من أبي عبادة ، ولا أنقش ديباجة ، ولا أبهج سبكا ، فاخترت حينئذ دواوينهم ، لاشتمالها على محاسن الطرفين من المعاني والألفاظ ، ولما حفظتها ألغيت ما سواها مع ما بقي على خاطري من غيرها . وقد أوردت في هذا الموضع من السرقات الشعرية ما لم يورده غيري ، ونبهت على غوامض منها . وكنت قدمت القول أني قسمتها إلى خمسة أقسام ؛ منها الثلاثة الأول ، وهي : النسخ ، والسلخ ، والمسخ ، ومنها القسمان الآخران ، وها أنا أبين ما تنقسم إليه هذه الأقسام من تشعبها وتفريعها ؛ فأقول : فأما النسخ فإنه لا يكون إلا في أخذ المعنى واللفظ جميعا ، أو في أخذ المعنى وأكثر اللفظ ؛ لأنه مأخوذ من نسخ الكتاب ، وعلى ذلك فإنه ضربان : الأول : يسمى وقوع الحافر على الحافر ، كقول امرئ القيس « 1 » : وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم * يقولون لا تهلك أسى وتحمّل وكقول طرفة « 2 » :
--> ( 1 ) من معلقته التي أولها قوله : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل ( 2 ) من معلقته التي أولها قوله : لخولة أطلال ببرقة ثهمد * تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد